الأحد، 17 مايو 2020

مقدمة التفسير



مقدمة الكاتب

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يَهده الله فلا مُضل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصَحْبه أجمعين.
أمَّا بعدُ:
تفسير كتاب الله - تعالى - قد نال من عناية جهابذة العلماء سلفًا وخلفًا الكثير من الاهتمام؛ فهو كتاب رب العالمين المُعجِز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ودراسته وحفظه والعمل به من أعظم الطاعات عند الله تعالى، وكفى في بيان ذلك قولُه - تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29 - 30].
وكنت أنوي عمل مختصر لتفسير القرآن - تفسير ابن كثير مثلاً - ولكني خشيت إن اختصرتُ تفسيرًا معروفًا ومشهورًا أن أترك منه شيئًا مهمًّا، أو أختصر ما يُفسِد المعنى الذي يريده المصنف؛ فأفسد من حيث أريد التيسير والاختصار، وأتعرض للنقد والتجريح؛ لاعتدائي على مصنف هو ملكٌ للمسلمين جميعًا، ومن تراثهم، ولهم في ذلك كل الحق، ثم رأيت من الأفضل أن أختار أنا عنوانًا لكتابٍ، وتحته أجمع روائع العلماء، وعبير كلماتهم وبصيرتهم؛ مما يخدم موضوع الكتاب، وإن كان طيبًا ومقبولاً، فالفضل لله وحده، وله الحمد والمنة، وإن كان غير ذلك، فمني ومن الشيطان، ولا ضرر إلا ما أستحقه من عتاب ونصيحة من أهل الخير والفضل، ولا أكون معتديًا على مصنف للمسلمين، ومما فكرت فيه كتاب ضخم في مجلدات يجمع تفسير القرآن كله لعلماء جهابذة سلفًا وخلفًا، ولا أضيف من عندي شيئًا غير التهذيب والترتيب، وتحقيق الأحاديث، والإشارة للمصادر والمراجع، وكلمات يسيرة لربط المواضيع بعضها ببعض، ووضعتُ نصب عيني أن يكون تفسيرًا يجمع كثيرًا من المصنفات في علوم القرآن؛ للتيسير على المسلمين، ويكون مفيدًا للعامة والخاصة، وبطريقة سهلة ومختصرة ومنهجية، وما التوفيق إلا من عند الله، عليه توكلتُ وإليه أنيب.
وقد اخترتُ أن أسمِّيَه "الجامع لروائع البيان في تفسير آيات القرآن".
ومما لا يغيب عن فطنة القارئ أن الأمة الإسلامية في كل أرجاء المعمورة في حاجة شديدة لفهم آيات الله مشروحة ومبسطة بفهم السلف الصالح بعيداً عن الفهم العصري الذي يختلط فيه الحابل بالنابل، ويفسر به كتاب الله – تعالى- حسب النظريات العلمية المستحدثة التي تتبدل وتتغير كلما مرالزمان، أو حسب طريقة أهل الكلام من الفلاسفة وغيرهم من أصحاب الفكر الضال الذي يغلفه الهوي أوغير ذلك.
مما يشعر المرء معه بخلو تلك التفسيرات المستجدة من روحها فضلاً عن شطحاتها، وحرمان الأمة من فهم الآيات بأقوال أقرب الناس إلى إدراك معانيها السامية وتعاليمها السمحة، وهم الأئمة الأعلام من الرعيل الأول من الصحابة والتابعيين وتابعي التابعين، وهم القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية ومن والاهم بإحسان إلى يوم الدين.
ومن ثم فالناس بحاجة لفهم آيات الله تعالى إلى تفسيرات تنبع من خلال عقول وقلوب ورعة تقية لا تبتغي من وراء ذلك إلا رضا ربها وخالقها جل وعلا؛ تحمل لواء هذه الدعوة بلا كلل أو ملل، وبهمة عالية بلا غاية مادية صرفه، أو هوى مضل كاذب، ولقد توفرت ولله الحمد والمنة كل هذه الصفات في أئمة التفسير المعتبرين مثل "الطبري، والقرطبي، وابن كثير والشوكاني قديماً، والشنقيطي، والسعدي، وابن عثيمين وغيرهم حديثاً ") الذين جمعهم حب العلم وخدمة الدين على كتابة تفسيراتهم الجليلة، هذا فضلاً عن درر البيان من أئمة الهدى وورثة الأنبياء سلفًا وخلفًا الذين فسروا آيات الله تعالى بفهمهم الثاقب وبصيرتهم النافذة وأقوالهم النافعة لبيان آيات الله تعالى والفوائد والأحكام المتعلقة بها أمثال ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم والامام النووي قديماً والشيخ ابن باز والألباني وغيرهم حديثاً – رحمهم الله أجمعين-.
وبعد.. أننا لا نجحد البتة الجهد الجبار لجهابذة التفسير وأئمته قديماً وحديثاً، حاشا لله فما نحن إلا تلاميذ لهم نلتمس خُطاهم ونبتغي مثلهم في عملنا هذا رضا الله تعالى، وإنما أردنا بهذا الجامع للتفسيرات وروائع البيان والمهذب والمحقق؛ إفادة الأمة بتفسيراتهم الجليلة لكتاب الله تعالي بطريقة ميسرة ومبسطة، بعيداً عن الاسترسال وعرض الآراء الفقهية في المسائل الخلافية أو غير ذلك والتي تشتت القارئ عن فهم تفسير آيات القرآن نفسه.
وقد جعلت منهجي في هذا التفسيركالتالي:
1- بيان وتعريف بالسورة وعدد آياتها.
2-   بيان فضائل السورة أو الآيات التي تحتويها في السنة الصحيحة مع التحذير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة بشانها إن وجدت.
3-   بيان أسباب النزول أن وجدت ليفهم القارئ الآيات ويدرك مغزاها جيداً.
4-   إعراب الآيات وذلك آية آية لمزيد من البيان والتوضيح.
5- شرح الآيات وكل آية على حدة لعدم تشتيت القارئ بروائع من تفسيرات وأقوال العلماء المعتبرين والمشهود لهم بالعلم من أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً، وذلك بإيجاز شديد، وامتنعت عن تكرار المتشابه من التفسيرات مكتفياً بأحدهم حتى لا يمل القاري من التكرار الذي لا فائدة منه إلا اليسير الذي قد يقع في سياق كلام المفسر، وبتره قد يؤدي إلى فساد المعني فتركته، وإن وجدت زيادة بيان عند أحدهم ذكرته وقدمته على المتشابه ليلم القارئ بكل الآراء والتفسيرات.
6-بيان الفوائد والأحكام المتعلقة بالسورة من خلال أقوال العلماء الثقات والدرر المستخلصة منها في العقيدة والفقه وغيرهما.، وحرصت على عدم التوسع في ذكر الإختلافات الفقهية بين أهل العلم لعدم أهميتها في التفسير ولعدم  التطويل أو تشتيت القارئ بآراء فقهية حيث مجالها كتب الفقه وعلومه، واكتفيت ببيان المسألة المختلف فيها والرأي الراجح عند جمهور العلماء الذي تؤيده الأدلة القاطعة والذي نستريح لصحته.
7-  قمت بتقديم ترجمة مختصرة ووجيزة لكل الشخصيات المذكور في التفسير عند ذكرها أول مرة دون تكرار في الهوامش.
8-                    قمت بتخريج جميع الأحاديث التي ذكرت في سياق التفسير من خلال مصنفات أهل الصنعة وعلمائه من أهل الحديث، وعزيتها إلى مصادرها الأصلية وحرصت كل الحرص على أن يخلو هذا التفسير من الأحاديث الضعيفة أوالأستشهاد بها اللهم  إلا ماذكرته من أحاديث ضعيفه في سياق التحذير منها كما هو مبين في فضائل السورة لإشتهارها بين العامة.
9-     امتنعت عن ذكر الإسرائيليات، والقصص التي لا تصح ولا يليق لصقها بالأنبياء
10-  عليهم السلام أو الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين-.
11- امتنعت عن ذكر التأويل الفاسد  لصفات الله تعالى، وضربت صفحاً عنها إن خالفت عقيدة أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات.
12- ذكرت المراجع التي اعتمدت عليها في التفسير مع بيان رقم الجزء والصفحة ودار النشر تيسيراً علي من يريد التوسع والمزيد والرجوع للمراجع من طلبة العلم.
13- قسمت أجزاء هذا التفسير لثلاثون جزء كل جزء يبدأ وينتهي كما هو مرقم في المصاحف وجعلت فاتحة الكتاب وأم القرآن في رسالة منفصلة ووجيزة لما لها من مقام وجلال في القرآن والسنة، وأخترت لها عنواناً يقع تحت عنوان التفسير الرئيسي وهو "الجامع لروائع البيان في تفسير آيات القرآن- تفسير أم القرآن" وقل مثل ذلك في أجزاء القرآن كله.
14-  هذا التفسير كما هو واضح جلي لكل منصف يحتاج لجهد وعمل متواصل وعلو همة أسأل الله أن يرزقني أياها، ولولا مخافة كتم العلم والرحيل وقد كبر سني وشاب شعري لانتظرت حتى الإنتهاء منه ثم نشره، ولكن كما هو واضح جلي يحتاج وقتاً وزمناً طويلاً، ومن ثم  رأيت نشر ما أنتهي منه وأسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن يكون علماً ينتفع به بعد موتي إنه ولي ذلك والقادر عليه.
15- حقوق طبع هذا التفسير كله أو بعضه لكل مسلم إن شاء أن يطبعه بغرض التجارة أو كصدقة جارية فهو في حل مني لا أسأله عليه أجراً إن أجري إلا على الله رب العالمين.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.




مقدمة تمهيدية للتفسير
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يَهده الله فلا مُضل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصَحْبه أجمعين.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70 - 71].
أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدَق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، وشر الأمور مُحدثاتها، وكل مُحدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد..
لاريب أن القرآن الكريم كتاب الله -جل وعلا- قرأته وتدبره ومعرفة تفسير آياته وكلماته ودلالتها الظاهرة لأمر لا يجب أن يغفل عنه المسلم لأهميته في فهم  مراد الله –تعالي- ثم العمل والتطبيق بمدلولها الذي يجمع له خير الدنيا والآخرة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-" وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، وكذلك قال تعالى : {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ يوسف : 2 ] وعقل الكلام متضمن لفهمه , ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك . وأيضًا، فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكلام اللّه الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم ؟ "([1])اهـ
ويقول العلامة ابن العثيمين ([2]):
"وتعلم التفسير واجب لقوله تعالى : (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص:29) ولقوله تعالى : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24)
وجه الدلالة من الآية الأولى أن الله تعالى بين أن الحكمة من إنزال هذا القرآن المبارك ؛ أن يتدبر الناس آياته ، ويتعظوا بما فيها .
والتدبر هو التأمل في الألفاظ للوصول إلى معانيها ، فإذا لم يكن ذلك ، فاتت الحكمة من إنزال القرآن ، وصار مجرد ألفاظ لا تأثير لها .
ولأنه لا يمكن الاتعاظ بما في القرآن بدون فهم معانيه .
ووجه الدلالة من الآية الثانية أن الله تعالى وبخ أولئك الذين لا يتدبرون القرآن ، وأشار إلى أن ذلك من الإقفال على قلوبهم ، وعدم وصول الخير إليها .
وكان سلف الأمة على تلك الطريقة الواجبة ، يتعلمون القرآن ألفاظه ومعانيه ؛ لأنهم بذلك يتمكنون من العمل بالقرآن على مراد الله به فإن العمل بما لا يعرف معناه غير ممكن ."اهـ
وفي تراث الأمة الإسلامية  ولله الحمد والمنة قديماً ومصنفات علمائنا من ورثة الأنبياء حديثًا تفاسير جليلة لهم أفنوا عمرهم في تفسير آيات الله تعالي لحاجة العباد لفهم القرآن ليستطيع المرء أن يرتوي ويتدبر مراد الله منها أن أحسن اختيار أفضلها شرحاً وأبعدها عن التأويل الفاسد أو الذي يخرجها عن ظاهرها أو معتقد فاسد يدعوا اليه مفسرها لنشر فكر معين ينتمي إليه ويخالف منهج وعقيدة أهل السنة والجماعة من الرعيل الأول من الصحابة والتابعين وتابعي ومن ولاهم للي يوم الدين..
ولكن تعلم تفسير الآيات لتدبر مراد الله من خلال تفسيرات العلماء المعتبرين أمر والتصدي لتفسير القرآن نفسه أمر آخر لاريب في حرمته لمن لا يملك أدواته ووفقاً للظوابط الشرعية التي  تعارف وأتفق عليها علمائنا سلفا وخلفا.
طرق تفسير القرآن المعتبرة
من أحسن طرق التفسير ؟ هو التفسير بالمأثور ومقصوده تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة الصحيحة ثم بأقوال الصحابة لأنهم أدري الناس بمقصود الآيات لقربهم من النبي-صلي الله عليه وسلم- ثم التابعين من الأئمة الإعلام المعتبرين لتلقيهم العلم عن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعلمهم القرآن ومعانيه على أيديهم  حفظاً وتلاوةً وتفسيراً فما أجمعوا عليه فهو حجة وما اختلفوا فيه فإنه يرجع فيه إلى لغة العرب التي نزل بها القرآن.
يقول ابن تيمية بتصرف يسير:
إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجْمِلَ في مكان فإنه قد فُسِّرَ في موضع آخر، وما اخْتُصِر من مكان فقد بُسِطَ في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعي : كل ما حكم به رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن، قال اللّه تعالى : {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا } [ النساء : 105 ] ، وقال تعالى : {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ النحل : 44 ] ، وقال تعالى : {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ النحل : 64 ] ، ولهذا قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : " ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه " يعني السنة .
ثم قال-رحمه الله- وحينئذ، إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين؛ مثل عبد اللّه بن مسعود .اهـ([3])
وهناك تفسيرات قديما وحديثا  تفسر القرآن بتفسيرات وتأويلات عجيبة وشاذة حتي أختلط التفسير بغيره في الكثير منها ولعل قلة الوعي والجهل بخطورة التصدي لتفسير كلام رب العزة لمصيبة وبلية وقع فيها بعض أرباب المذاهب الفكرية قديما والعلمية والعصرية حديثاً من أهل الهوي وحاملي حطب الليل .
التفسير والمفسرون
 هذا التفسير هو جمع مبارك لروائع التفسير للآيات من التفسيرات الجليلة لعلماء أكابر شهد لهم القاصي والدني بعلوهم وعلمهم جمعتها من تفاسيرهم
وقد اقتصرت علي ثمانية من التفسيرات وهي:
1- جامع البيان في تأويل القرآن (تفسير الطبري) (المتوفى : 310هـ)
2- تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (المتوفى : 774هـ )
3- الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) (المتوفى: 671هـ)
4-- أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للعلامة محمد الأمين الشنقيطي (المتوفي:1393هـ(
5- تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير الأحكام - المؤلف : عبد الرحمن بن ناصر السعدي (المتوفى : 1376هـ)
6-تفسير محمد بن صالح بن محمد العثيمين -رحمه الله- (المتوفى : 1421هـ)
7- تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن (تفسير البغوي) (المتوفى : 510هـ )
8-تفسير شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى : 751هـ) وهو تفسير مجموع من أقواله من بين ثنايات كتبه- رحمه الله-  وهو تفسير جيد وابن القيم هامة وقامة كبيرة ومنهجه هو منهج السلف الصالح . 
*وهذه التفاسير الثمانية هي من وقع عليها اختيارنا نهائياً ولا أخفي ترددي كثيرا في تفسير البغوي المسمي "معالم التنزيل" فهو كما هو معلوم مختصر من تفسير الثَّعْلَبِيِّ لَكِنَّهُ  كان حريصاً وصَانَ تَفْسِيرَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ وَالْآرَاءِ الْمُبْتَدَعَة  ولكن وقع منه تأويل لبعض الصفات كالرحمة والحياء والغضب ، ولكنه سلفي العقيدة ، يثبت لله سبحانه ما أثبته لنفسه من الاسماء والصفات عدا ماذكرنا ، وقد قرر ذلك في مقدمة كتابه النفيس " شرح السنة " وفي تفسيره هذا الغالب أثبات الصفات وهذا ما رجح رصيده عندي ولما للأمام البغوي نفسه- رحمه الله- من مكانه علمية كبيرة ومتميزة.
ومن ثم فهذه التفاسير  الثمانية المذكورة هي مرجعيتنا في تفسيرنا هذا لبيان وتفسير آيات القرآن والله المستعان وعليه التكلان.
الجامع لروائع البيان في تفسير آيات القرآن
قلنا أن تفسيرنا هذا جمع مبارك لروائع بيان أهل التفسير لكتاب الله -جل وعلا-  وهناك ما ينبغي أن نوضحه للقاريء الكريم ليكون علي بينة مما قد يفوت علينا بيانه في التفسير نفسه لسبب من الأسباب ونبينها في النقاط التالية:
1-نبدأ دوما بتعريف بالسورة وفضلها والأحاديث الصحيحة الواردة في فضائلها أو آياتها مع بيان أيضاً ما شاع من أحاديث ضعيفة أو موضوعة عنها والتحذير منها
2- ببيان الآية المراد تفسيرها ثم إعرابها ومرجعيتنا في ذلك " الجدول في إعراب القرآن- لمحمود بن عبد الرحيم صافي (المتوفى : 1376هـ)" , ونكتفي بأعرابه لمفردات الكلماتها دون الجمل لعدم التطويل ومن أراد المزيد فليرجع له .
3-نبين أسباب النزول للآيات أن وجدتت ومرجعيتنا في ذلك كتاب الصحيح المسند من أسباب النزول للعلامة محدث اليمن الشيخ مقبل بن هادى الوادعى-والنسخة المعتمدة في تفسيرنا نشر" مكتبة ابن تيمية الطبعة الرابعة - القاهرة 1408هـ- 1987م" وهو بحث مختصر بالاحاديث الصحيحة المتصلة السند يبين فيه بعض أسباب النزول ورتبها على ترتيب سور القرآن.
وحرصاً منا علي بيان أسباب النزول الصحيحة المتصلة الإسناد  بعيداً عن الأسباب التي لايؤيدها الدليل نكتفي بهذا الكتاب, وهذا لايمنع أن هناك اسبابًا أخري في كتب أخري مشهورة ككتاب" العجاب في بيان الأسباب" للحافظ بن حجر وهو كتاب رائع في بابه , ولكن ذلك كان أختيارنا.
هذا ونذكر في التفسير تحقيقه للاحاديث كما جاء ذكرها في كتابه سالف الذكر والله المستعان.
4-نذكر الآية المراد تفسيرها تحت عنوان " روائع البيان والتفسير " ثم
نبين تفسير الآية إجمالاً لمفسر واحد أو أثنين ,وأن وجدث الآية تحتاج إلي زيادة بيان  وهو الغالب في تفسيرنا هذا جزأتها وقد أكرر تفسير جزئية أخري من الآية لنفس المفسر طالما بيانه أشمل وأكمل والعبرة هنا بالبيان وكشف المعاني الظاهرة للآية وتأويلها واستنباط فوائدها الجليلة . وليس المقصود بالبيان سحر الكلمات والعبارات والقص واللزق والحشو وهلم جرا..حاشا لله !!
بل بعد البحث والإطلاع والتدبر في جميع التفاسير المختارة نذكر أفضلها بياناً وتفسيراً من وجهة نظرنا فأن كان أختيارنا سليماً فهذا فضل من الله وأن كنا تركنا الأفضل فهذا  تقصير منا نسال الله الرشد والسداد.
-وقد أختصر كلام المفسر بتصرف يسير تارة وقد أختصره فقط دون تصرف مع بيان ذلك في سياق التفسير وقد راعيت عدم الإخلال بالمعني الذي يرمي إليه المفسر عند الأختصار , وأن تعذر ذلك ذكرت كلامه دون اختصار للالتزام بالأمانة العلمية في النقل.
وهناك بعض التنبيهات الهامة التي ننبه عليها ليحيط بها القاريء الكريم علماً عند قرأته لتفسير الآيات:
أ-الأمام أبو جعفر الطبري تفسيره من أكمل التفاسير ولكنه صعب نقله علي العامة بأسانيده التي هي من مميزاته حتي لو لم يعقب بصحتها أو ضعفها لما هو معلوم قديماً أن من أسند فقد برئت ذمته ,وقد قيل من أسند فقد أحالك.
ومن ثم ننقل كلامه وترجحاته التي يري صحتها دون ذكر الإسناد تارة  مكتملة وتارة أخري نختصر منها قدر الإمكان لعدم التطويل دون الإخلال بالمعني .
ب-تفسير القرطبي والحافظ بن كثير  من التفاسير المعتبرة عند أهل العلم ولكن الاثنان  يكثر في تفسيرهما الاستشهاد باقوال متهمين بالكذب كالكلبي ومقاتل بن سليمان -و هو غير مقاتل بن حيان البلخي وهو ثقة صالح، روى عن مجاهد والضحاك وعكرمة وقتادة .
-ومن نقلوا عنه ايضاً عطية العوفي وهو شيعي متهم فضلاً عن ضعف روايته عند المحدثين فهو كذاب ومن المدلسين تدليس الشيوخ  فقد كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير , وكان يكنيه بأبي سعيد فيقول قال أبو سعيد ليظن من يسمعه أنه يتحدث عن أبو سعيد الخدري الصحابي الجليل ولكنه كان يقصد الكلبي وهو كذاب.
وهنا أستشكال لابد من طرحه هل يجوز النقل عن تفسيرات كتفسير مقاتل أوالكلبي أوالسدي الكبير وغيرهم من المجروحين والمتهمين كما فعل ابن كثير والقرطبي وابن جرير الطبري ومن صار علي نهجهم؟
قال الأستاذ الذهبي في "التفسير والمفسرون" (1|119):  «إن هذا التفسير الموضوع، لو نظرنا إليه من ناحيته الذاتية، بغض النظر عن ناحيته الإسنادية، لوجدنا أنه لا يخلو من قيمته العلمية. لأنه مهما كثر الوضع في التفسير، فإن الوضع ينصب على الرواية نفسها. أما التفسير في حد ذاته، فليس دائماً أمراً خيالياً بعيداً عن الآية. وإنما هو -في كثير من الأحيان- نتيجة اجتهاد علمي له قيمته. فمثلاً من يضع في التفسير شيئاً، وينسبه إلى عليّ أو ابن عباس، لا يضعه على أنه مجرد قول يلقيه على عواهنه، وإنما هو رأي له، واجتهاد منه في تفسير الآية، بناء على تفكيره الشخصي. وكثيراً ما يكون صحيحاً. غاية الأمر أنه أراد لرأيه رواجاً وقبولاً، فنسبه إلى مَن نُسب إليه من الصحابة. ثم إن هذا التفسير المنسوب إلى عليّ أو ابن عباس، لم يفقد شيئاً من قيمته العلمية غالباً، وإنما الشيء الذي لا قيمة له فيه هو نسبته إلى علي أو ابن عباس. فالموضوع من التفسير -والحق يقال- لم يكن مجرد خيال أو وهم خُلق خلقاً. بل له أساس ما، يهمّ الناظر في التفسير درسه وبحثه، وله قيمته الذاتية وإن لم يكن له قيمته الإسنادية».
ج - الإسرائيليات القليلة التي وجدناها في التفسيرات المختارة حذفناها رغم قلتها لو وقعت في سياق تفسير المفسر لعدم فائدتها ودون الإخلال بالمعني العام لكلام المفسر, ولو كانت ذات فائدة للناس لبينها الله تعالي في كتابه فتركها والسكوت عنها أولي .
5-تحقيق جميع الأحاديث الواردة في التفسير مع أتمام المتن أن رأينا ذلك في الهوامش لعدم الإخلال بمعني الحديث الشريف ونبين أننا لو وجدنا أحاديث ضعيفة في سياق كلام المفسر حذفناها وأختصرنا كلامه , وكذلك لو رأينا الحاجة للاختصار أن أطال فيما يخرج عن تفسير الآية لبيان أختلافات وأقوال وترجيحات وما أشبه هذا, وبينا ذلك كقولنا" فقال مامختصره"-أو "فقال بتصرف يسير"لحرصنا علي أن يخلو تفسيرنا من الأحاديث الضعيفة والموضوعات التي لاترتبط بتفسير الآية ذاتها.
6-قد بينا نبذة يسيرة عن تراجم الشخصيات الموجودة في سياق كلام المفسر  أو الاحاديث ليدرك القاري من هم الذين ياخذ عنهم تفسير كلام الله تعالي, ومرجعيتنا في ذلك كتب التراجم والطبقات المعتبرة لأهل هذا الفن "كسير أعلام النبلاء للذهبي والأعلام للزركلي ووفيات الأعيان لابن خلكان" وغيرهم.
7- نبين الفوائد والأحكام المتعلقة بكل سورة علي حدة بعد الانتهاء من بيانها وتفسيرها  بصرف النظر عن الجزء التي  تقع فيه هذه  السورة كلها أو بعضها فالعبرة عند الأنتهاء من تفسيرها نبين فوائدها وأحكامها.
8- نشر هذا التفسير علي موقع الألوكة  السعودي علي هيئة أجزاء حصرياً ومازال العمل في أتمامه حتي كتابة هذه السطور وقد تم التعديل بجعل تفسير كل سورة منفصلة وكاملة بفوائدها وأحكامها تيسيراً علي عامة المسلمين ولزيادة الفائدة بجعلها منفصلة للباحثين ولمن أراد طبعها ولو للتجارة لا أساله أجراً وهو في حل مني بل تشجيعا له ليراسلني علي بريدي وسأرسل له الملفات علي هيئة مستندات word وننبه أن سورة الفاتحة وتفسيرها تم التعديل  فيها هنا تعديل بسيط بالحذف والإضافة وكذلك هذه المقدمة لتتناسق مع منهجي الذي وضحته في بداية هذه المقدمة  التمهيدية سلفاً بالاكتفاء في تفسيرنا هذا علي ثمانية تفسيرات ، هذا من جهة ومن جهة أخري تركت  أجزاء التفسير كما هي واقتصرت علي جمعها كسورة منفصلة لأنه قد ظهر لي منهجي في التفسير  واكتملت رؤيتي له بعد سورة الفاتحة بوضوح ولله الحمد والمنة ومن ثم ينبه الكاتب أن هذه النسخة المنشورة علي موقع أرشيف هي النسخة النهائية المعتمدة عنده اللهم أني بلغت اللهم فاشهد.
وبعد. هذا جهد المقل فأن كان مابه صواباً فمن الله وتوفيقه، وأن كان مابه خطأ فمني ومن الشيطان والله-تعالي-ورسوله-صلي الله عليه وسلم- منه بريء ولا ادعي إني استقصيت المراد بما ذكرت ونقلت ، ولكن لعل أنال به دعوة صالحة بظهر الغيب أو حسنات ماحية أنا في أشد الحاجة إليها يوم لا ينفع مال ولابنون ، والله أسأل أن يجعله خالصاً لوجه الكريم، وأن ينفع به، وأن يغفر لي ولوالدين ولجميع المسلمين إنه سميع مجيب الدعاة، وصل الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
وكتبه سيد مبارك     السبت30 ربيع ثاني-1438هـ-28 يناير-2017م






[1] - أنظر كتاب "مقدمة في أصول التفسير"(ص/9)لأبن تيمية- الناشر : دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان
[2] - أنظر  تفسير العلامة محمد العثيمين- مقدمة التفسير- (  1/ 20 )-مصدر الكتاب : موقع العلامة العثيمين .

[3] أنظر كتاب "مقدمة في أصول التفسير"(ص/40)لأبن تيمية- الناشر : دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق