الأحد، 17 مايو 2020

فوائد وأحكام سورة الفاتحة



فوائد وأحكام سورة الفاتحة
في سورة الفاتحة جملة من الفوائد والأحكام التي ينبغي أن يُحِيط بها المسلم علمًا، وأذكر منها النقاط التالية:
1 - أنها أم القرآن وليس لها مثيل:
1 - جاء في تفسير القرطبي:
"قال ابن العربي: قوله: ((ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مثلها))، وسكت عن سائر الكتب؛ كالصحف المنزلة، والزبور، وغيرها، لأن هذه المذكورة أفضلُها، وإذا كان الشيء أفضل الأفضل، صار أفضل الكل؛ كقولك: زيد أفضل العلماء؛ فهو أفضل الناس.
وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها، حتى قيل: إن جميع القرآن فيها، وهي خمس وعشرون كلمة تضمَّنت جميع علوم القرآن، ومن شرفها أن الله - سبحانه - قَسَمها بينه وبين عبده، ولا تصحُّ القربة إلا بها، ولا يلحق عمل بثوابها، وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم"؛([59]) اهـ.
و-أفاض ابن القيم في بيان فوائدها وأنها بحق أم القرآن فقال-رحمه الله-: أعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال وتضمنتها أكمل تضمن.
فاشتملت على التعريف بالمعبود تبارك وتعالى بثلاثة أسماء، مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها، ومدارها عليها. وهي: «الله، والرب، والرحمن  » وبنيت السورة على الإلهية والربوبيّة والرحمة. ف {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} مبنى على الإلهية. {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على الربوبيّة وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم بصفة الرحمة. والحمد يتضمن الأمور الثلاثة: فهو المحمود في إلهيته، وربوبيته، ورحمته. والثناء والمجد كمالان لجده.
وتضمنت إثبات المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم حسنها وسيئها. وتفرّد الرب تعالى بالحكم إذ ذاك بين الخلائق، وكون حكمه بالعدل. وكل هذا تحت قوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.اهـ([60])
2 - الحمد والتزكية لا تكون إلا لله - تعالى -:
قال ابن العربي([61]):


قوله - تعالى -: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} اعلموا - علمكم الله المشكلات - أن البارئ - تعالى - حمد نفسه، وافتتح بحمده كتابه، ولم يأذنْ في ذلك لأحدٍ من خلقه، بل نهاهم في محكم كتابه، فقال: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: 32]، ومنع بعض الناس من أن يسمع مدح
بعض له، أو يركن إليه، وأمرهم برد ذلك، وقال: ((احثُوا في وجوهِ المدَّاحين التراب))([62])([63])؛ رواه المقداد وغيره، وكأن في مدح الله لنفسه وحمده لها وجوهًا؛ منها ثلاث أمهات:
الأول: أنه علَّمنا كيف نحمده، وكلفنا حمده والثناء عليه؛ إذ لم يكن لنا سبيل إليه إلا به.
الثاني: أنه قال بعض الناس معناه: قولوا: الحمد لله، فيكون فائدة ذلك التكليف لنا، وعلى هذا تخرج قراءة من قرأ بنصب الدال في الشاذ.
الثالث: أن مدح النفس إنما نهي عنه لما يدخل عليها من العجب بها، والتكثر على الخلق من أجلها، فاقتضى ذلك الاختصاص بمن يلحقه التغير، ولا يجوز منه التكثر، وهو المخلوق، ووجب ذلك للخالق؛ لأنه أهل الحمد، وهذا هو الجواب الصحيح، والفائدة المقصودة.
2 - حكم قراءة البسملة في الصلاة:
لقد وقع خلاف كبير فى مسألة الجهر والإسرار بالبسملة قبل الفاتحة؛ وذلك لأن الفاتحة هي أم القرآن، ولا تصح الصلاة إلا بها.
عن أنس قال: صلَّيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم)([64]).


عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدَّثه قال: صلَّيت خلف النبى - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم فى أول قراءة، ولا فى آخرها([65]).
قال الإمام النووي([66]): اعلم أن مسألة البسملة عظيمة مهمة، ينبني عليها صحة الصلاة التي هي أعظم الأركان بعد التوحيد"([67]).
وقال ابن العثيمين - رحمه الله -:
في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم مَن يقول: إنها آية من الفاتحة، ويقرأ بها جهرًا في الصلاة الجهرية، ويرى أنها لا تصح إلا بقراءة البسملة؛ لأنها من الفاتحة.
ومنهم مَن يقول: إنها ليست من الفاتحة؛ ولكنها آية مستقلة من كتاب الله؛ وهذا القول هو الحق؛ ودليل هذا: النص، وسياق السورة.
أما النص، فقد جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يقول: ((قال الله - تعالى -: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، قال الله - تعالى -: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قال الله - تعالى -: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال: مجَّدني عبدي، وقال مرةً: فوَّض إليَّ عبدي، فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل))، وهذا كالنص على أن البسملة ليست من الفاتحة.

وفي الصحيح عن أنس بن مالك - رضي الله عه - قال: "صليتُ خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وعمر؛ فكانوا لا يذكرون {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] في أول قراءة، ولا في آخرها"، والمراد لا يجهرون؛ والتمييز بينها وبين الفاتحة في الجهر وعدمه يدل على أنها ليست منها.
أما من جهة السياق من حيث المعنى: فالفاتحة سبع آيات بالاتفاق؛ وإذا أردتَ أن توزِّع سبع الآيات على موضوع السورة وجدت أن نِصْفَها هو قوله - تعالى -: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة: 5]، وهي الآية التي قال الله فيها: ((قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين))؛ لأن {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} واحدة.
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الثانية.
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} الثالثة، وكلها حق لله - عز وجل.
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الرابعة؛ يعني: الوسط؛ وهي قسمان: قسم منها حق لله؛ وقسم حق للعبد.
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} للعبد.
{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} للعبد.
{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} للعبد.
فتكون ثلاث آيات لله - عز وجل - وهي الثلاث الأولى، وثلاث آيات للعبد، وهي الثلاث الأخيرة، وواحدة بين العبد وربه، وهي الرابعة الوسطى، ثم من جهة السياق من حيث اللفظ، فإذا قلنا: إن البسملةَ آية من الفاتحة؛ لزم أن تكون الآية السابعة طويلة على قدر آيتين، ومن المعلوم أن تقارب الآية في الطول والقصر هو الأصل.
فالصواب الذي لا شك فيه أن البسملة ليست من الفاتحة، كما أن البسملة ليست من بقية السور([68]).
وذكر ابن القيم في الهَدْي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة، ويخفيها أكثر مما جهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا حضرًا وسفرًا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في


الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة وأحاديث واهية؛ فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح"؛([69]) انتهى.
وقال الألباني([70]) فى تمام المنة (ص 169):
والحق أنه ليس في الجهر بالبسملة حديث صريح صحيح، بل صح عنه - صلى الله عليه وسلم - الإسرار بها من حديث أنس، وقد وقفت له على عشرة طرق، ذكرتها في تخريج كتابي "صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم"، أكثرها صحيحة الأسانيد، وفي بعض ألفاظها التصريح بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يجهر بها، وسندها صحيح على شرط مسلم، وهو مذهب جمهور الفقهاء، وأكثر أصحاب الحديث، وهو الحق الذي لا ريب فيه، ومَن شاء التوسع في هذا البحث فليراجع "فتاوى شيخ الإسلام"؛ ففيها مقنع لكل عاقل منصف"؛ اهـ.
3 - فائدة الفاتحة في الرقية والاستشفاء:
من صفات فاتحة الكتاب أنها شافية وراقية - بإذن الله تعالى - لحديث أبي سعيد الخدري، قال: "إن ناسًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا في سفر، فمرُّوا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فلم يضيِّفوهم، فقالوا لهم: هل فيكم راقٍ؛ فإن سيد الحي لديغ، أو مصاب، فقال رجل منهم: نعم، فأتاه فرَقَاه بفاتحة الكتاب؛ فبرأ الرجل، فأعطي قطيعًا من غنم، فأبى أن يقبلها، وقال: حتى أذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم



- فذكر ذلك له، فقال: يا رسول الله، والله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب، فتبسَّم، وقال: ((وما أدراك أنها رقية))، ثم قال: ((خذوا منهم، واضربوا لي بسهم معكم))([71]).
قال النووي في شرح مسلم:
قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما أدراك أنها رقية؟))؛ فيه التصريح بأنها رقية، فيستحب أن يقرأ بها على اللديغ والمريض، وسائر أصحاب الأسقام والعاهات.
قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم))؛ هذا تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر، وأنها حلال لا كراهة فيها"؛([72]) اهـ.
-وقال ابن القيم-رحمه الله-: "فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني، والشفاء التام، والدواء النافع، والرقية التامة، ومفتاح الغنى والفلاح، وحافظة القوة، ودافعة الهم والغم والخوف والحزن لمن عَرَف مقدارها وأعطاها حقها، وأحسن تنزيلها على دائه، وعَرَف وجه الاستشفاء والتداوي بها، والسر الذي لأجله كانت كذلك، ولما وقع بعض الصحابة على ذلك، رقى بها اللديغ، فبرأ لوقته، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((وما أدراك أنها رقية))"([73]).
4 - حكم قراءتها للتبرك بها وعلى الأموات:
أما التبرك بها وقراءتها عند الزواج، أو افتتاح أي شيء، أو على الأموات ترحمًا، فهو أمر مبتدع، وليس له أي تأثير، ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصِّصها بها الشرع؛ لأن ذلك عبادة، والعبادات توقيفية.
-وقال ابن العثيمين- رحمه الله-مبيناً ذلك:
"وليست يفتتح بها كل شيء؛ كما يصنعه بعض الناس اليوم، إذا أرادوا أن يشرعوا في شيء قرؤوا الفاتحة، أو أرادوا أن يترحموا على شخص قالوا: (الفاتحة) يعني: اقرؤوا له الفاتحة، فإن هذا لم يَرِدْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة - رضي الله عنهم"([74]).
وزاد - رحمه الله - بيانًا في قوله:


"قراءة الفاتحة على الموتى لا أعلم فيها نصًّا من السنة، وعلى هذا فلا تقرأ؛ لأن الأصل في العبادات الحظر والمنع، حتى يقوم دليل على ثبوتها، وأنها من شرع الله - عز وجل - ودليل ذلك أن الله أنكر على مَن شَرَعُوا في دين الله ما لم يأذنْ به الله، فقال - تعالى -: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ))، وإذا كان مردودًا كان باطلاً وعبثًا، وينزه الله - عز وجل - أن يتقرَّب به إليه"؛([75]) اهـ.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الآمين، وآله وصحبه أجمعين.

تم بحمد الله تفسير الفاتحة مع بيان فوائدها وأحكامها





[59] - انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة (1/110).
[60] - للمزيد انظر تفسير القرآن الكريم لابن القيم- الناشر: دار ومكتبة الهلال - بيروت الطبعة: الأولى - 1410 هـ وستأتي ترجمته أن شاء الله.
[61] - هو محمد بن عبدالله بن محمد المعافري، أبو بكر بن العربي - وهو غير ابن عربي الصوفي - إمام من أئمة المالكية، وهو فقيه محدِّث مفسر أصولي أديب متكلِّم، كان أقرب إلى الاجتهاد منه إلى التقليد، ولد بإشبيلية، ورحل إلى المشرق مع أبيه، فأخذ العلم عن الخولاني، والمازري، وأبي الحسن الخلعي، وأبي نصر المقدسي، وأبي سعيد الزنجاني، وأبي حامد الغزالي، وأبي بكر الطرطوشي، والصيرفي، وغيرهم كثير، وأخذ عنه العلمَ عددٌ لا يكادُ يحصى؛ من أشهرهم: القاضي عياض، وابن بشكوال، وابن الباذش، والإمام السهيلي، يقول عنه الإمام الحافظ الذهبي: اشتهر اسمه، وكان رئيسًا محتشمًا، وافر الأموال؛ بحيث أنشأ على إشبيلية سورًا من ماله الخاص، له مؤلفات كثيرة، وتوفِّي - رحمه الله - قرب مدينة فاس - حماها الله - مُنْصَرفَهُ من مراكش، وقيل: مات مسمومًا سنة 514 هـ.
[62] - أخرجه مسلم برقم/ 5322، وتمام متنه: عن أبي معمر قال: قام رجل يثني على أمير من الأمراء، فجعل المقداد يُحثِي عليه التراب، وقال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نحثي في وجوه المدَّاحين التراب".
[63] - أحكام القرآن لابن العربي، (ص/5).
[64] -أخرجه مسلم برقم/ 605.
[65] - أخرجه مسلم برقم/ 606.
[66] - محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الحوراني الشافعي، كان إمامًا بارعًا حافظًا أمَّارًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، تاركًا للملذات، ولم يتزوج، أتقن علومًا شتى، ولِيَ مشيخة دار الحديث الأشرفية، أفردت ترجمته في رسائل عديدة، وقد عدد ابن العطار - أحد تلاميذه - تصانيفه واستوعبها، ومن هذه التصانيف: تهذيب الأسماء واللغات والمنهاج في شرح مسلم، التقريب والتيسير في مصطلح الحديث، الأذكار، رياض الصالحين، وهو كتاب جامع ومشهور، المجموع شرح المهذب، الأربعون النووية، مختصر أسد الغابة في معرفة الصحابة، وغيرها.
[67] -انظر  المجموع للنووي 3/289-290                                          
[68] - المصدر: موقع الشيخ العثيمين - رحمه الله - التفسير: سورة الفاتحة - سورة البقرة - المجلد الأول.
[69] - زاد المعاد في هَدْي خير العباد لابن قيم الجوزية، الناشر: مؤسسة الرسالة - مكتبة المنار الإسلامية - بيروت - الكويت (1/194).
[70]محمد ناصر الدين الألباني (1332هـ- 1914م، 1420هـ - 1999م)، شخصية إسلامية علمية فذة، وصاحب مدرسة متميزة في علم الحديث، أغنى الحقل العلمي بها، وقد أفاد - بعلمه الغزير ومؤلفاته ودروسه - عددًا كبيرًا من طلاب العلم ودارسي الحديث النبوي الشريف، ولد الشيخ محمد ناصر الدين الألباني السوري الجنسية - رحمه الله - في أشقودرة بألبانيا، وتلقَّى تعليمه في دمشق على يدِ عددٍ من الشيوخ وكبار رجال العلم، حبب الله - سبحانه وتعالى - إليه علم الحديث النبوي الشريف، فعكف على دراسته طوال سني عمره، وتفوق فيه على جميع معاصريه، بدأ التأليف منذ مطلع شبابه، حتى بلغ عدد مؤلفاته أكثر من مائة كتاب، وطبع نحو سبعين منها؛ ومن أبرز كتبه: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، سلسلة الأحاديث الصحيحة، سلسلة الأحاديث الضعيفة، تحقيق كتاب مشكاة المصباح للتبريزي، صحيح الجامع الصغير وزياداته، ضعيف الجامع الصغير وزياداته، وغيرها من مؤلفات ومراجع لا غنى عنها لدارسي الحديث، حاز الألباني جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام 1419هـ، 1999م.
[71] - أخرجه مسلم برقم/4080.
[72] - انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي
[73] - انظر: الطب النبوي لابن قيم الجوزية، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان (ص/ 259).
[74] - انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع - نشر دار ابن الجوزي (3/61)
[75] -   انظر مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين(17/219)-جمع وترتيب : فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان- الناشر : دار الوطن - دار الثريا الطبعة : الأخيرة - 1413 هـ


نفسير سورة الفانحة


بسم الله الرحمن الرحيم
بيان وتعريف بالسورة

1-             سورة الفاتحة سبع آيات، وهي مكية على القول الراجح؛ لأدلةٍ؛ منها قوله - تعالى - في سورة الحجر: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87]، والسبع المثاني والقرآن العظيم بتفسير النبي - صلى الله عليه وسلم -: هي فاتحة الكتاب، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((فاتحة الكتاب هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته))([1])، وسورة الحجر مكية بالإجماع، فدلَّ ذلك على أن سورة الفاتحة مكية أيضًا، ويؤيِّد القول بأنها مكية أيضًا بأن الصلاة فُرِضت بمكة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))([2])، فهذان دليلان يدلانِ على أن السورة مكية.


2-             أسماء سورة الفاتحة كثيرة؛ لشرفها ومكانتها، قال السيوطي([3]):
"قد يكون للسورة اسم واحد، وهو كثير، وقد يكون لها اسمان فأكثر، من ذلك الفاتحة، وقد وقفتُ لها على نيِّف وعشرين اسمًا، وذلك يدل على شرفها؛ فإن كثرة الأسماء دالة على شرف المسمى"؛ اهـ.
 - وقال ابن تيمية([4]): "قال الله - تعالى - في أمِّ القرآن والسبع المثاني والقرآن العظيم: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، وهذه السورة هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي الشافية، وهي الواجبة في الصلوات، لا صلاة إلا بها، وهي الكافية تكفي من غيرها، ولا يكفي غيرها عنها.
والصلاة أفضل الأعمال، وهي مؤلَّفة من كلم طيب، وعمل صالح، أفضل كَلِمها الطيب وأوجبه القرآن، وأفضل عملها الصالح وأوجبه السجود؛ كما جمع بين الأمرين في أول سورة أنزلها على رسوله - صلى الله عليه وسلم - حيث افتتحها بقوله - تعالى -: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]، وختمها بقوله: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19]؛ فوضعت الصلاة على ذلك؛ أولها القراءة وآخرها السجود"؛ اهـ.
قلت: وفي السنة الصحيحة وردت عدة أسماء للفاتحة أذكر منها:
1-             (فاتحة الكتاب)؛ لحديث عُبَادة بن الصامت([5]) يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))([6]).


2 - (السبع المثاني)؛ لحديث أبي سعيد بن المعلَّى، وفيه: ((... الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه))[7].
3 - (أم القرآن)؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم))([8]).
قال العلامة ابن العثيمين([9]): هذه السورة قال العلماء: إنها تشتمل على مجمل معاني القرآن في التوحيد، والأحكام، والجزاء، وطرق بني آدم، وغير ذلك؛ ولذلك سمِّيت "أم القرآن"  ؛ والمرجع للشيء يسمى "أُمّاً".اهـ([10])
4 - (أم الكتاب)؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((إذا قرأتم {الْحَمْدُ لِلَّهِ}؛ فاقرؤوا {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}؛ إنها أم القرآن وأم الكتاب، والسبع المثاني، و{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} إحدى آياتها))([11]).


-       و قال البغوي([12]) في معالم التزيل: "ولها ثلاثة أسماء معروفة: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني.
سميت فاتحة الكتاب؛ لأن الله بها افتتح القرآن، وسميت أم القرآن وأم الكتاب؛ لأنها أصل القرآن، منها بدئ القرآن، وأم الشيء: أصله، ويقال لمكة: أم القرى؛ لأنها أصل البلاد، دحيت الأرض من تحتها، وقيل: لأنها مقدِّمة وإمام لما يتلوها من السور، يبدأ بكتابتها في المصحف، وبقراءتها في الصلاة، والسبع المثاني؛ لأنها سبع آيات باتفاق العلماء.
وسميت مثاني؛ لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة، وقال مجاهد: سميت مثاني؛ لأن الله - تعالى - استثناها لهذه الأمة فذخرها لهم.([13])
فضائل السورة:
سورة الفاتحة لشرفها ومكانتها، خصها النبي - صلى الله عليه وسلم - بفضائل كثيرة، وهذه بعضها:
1 - عن ابن عباس([14]) قال: "بينما جبريل قاعدٌ عند النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء، فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلَّم، وقال: أبشِرْ بنورين أوتيتهما لم يؤتَهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيتَه"([15]).
2-عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب: "كيف تقرأ في الصلاة ؟ "فقرأ أم القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة ولا


في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته" ([16]).
3 - وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج - ثلاثًا - غير تمام))، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((قال الله - تعالى -: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولِعَبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، قال الله - تعالى -: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قال الله - تعالى -: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال: مجَّدني عبدي، وقال مرةً: فوَّض إليَّ عبدي، فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل([17]).
4 ‏ - وعن ‏‏أبي سعيد الخدري([18]) ‏‏قال:‏ "نزلنا منزلاً، فأَتتْنا امرأةٌ، فقالت: إن سيد الحي سَلِيم، لدغ، فهل فيكم من راقٍ؟ فقام معها رجل منا، ما كنا نظنه يحسن رقيةً، فرقاه بفاتحة الكتاب، فبرأ، فأعطوه غنمًا، وسقونا لبنًا، فقلنا: أكنتَ تحسن رقيةً، فقال: ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب، قال: فقلت: لا تحركوها حتى نأتي النبي - صلى الله عليه وسلم، فأتينا النبي - صلى الله عليه
وسلم - فذكرنا ذلك له، فقال: ((ما كان يُدِريه أنها رقية؟! اقسموا، واضربوا لي بسهم معكم))([19]).
تنبيهات هامة:


تدور على ألسنة العامة بعض من الأحاديث الضعيفة التي وردت في فضل سورة الفاتحة، ينبغي الحذر من انتشارها؛ منها:
1 - "فاتحة الكتاب تجزي ما لا يجزي شيء من القرآن، ولو أن فاتحة الكتاب جعلتْ في كِفَّة الميزان، وجعل القرآن في الكِفة الأخرى، لفضلت فاتحة الكتاب على القرآن سبع مرات"([20]).
2 - "فاتحة الكتاب شفاء من السم" ([21]).
3 - "إذا وضعتَ جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب، و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}؛ فقد أمِنت من كل شيء إلا الموت"([22]).
4 - "فاتحة الكتاب وآية الكرسي لا يقرؤهما عبدٌ في دارٍ فيصيبهم ذلك اليوم عين إنس وجن"([23]).
5 - "فاتحة الكتاب شفاء من كل داء"([24]).
6 - "فاتحة الكتاب تعدل بثلثي القرآن"([25]).
أسباب النزول:
 لقد اختلف العلماء في ذكر زمن نزول سورة الفاتحة، فقال أكثر العلماء إنها سورة مكية وهو القول الراجح كما ذكرنا سلفاً، وقال بعض العلماء منهم مجاهد والزهري وغيرهما إنها سورة مدنية، وقيل إن نصفها نزل بمكة ونصفها الآخر بالمدينة. 
ولم يذكر صاحب كتاب" الصحيح المسند من أسباب النزول سببا لنزولها والله تعالي أعلم وأحكم


إعراب الآية:
(بسم) جار ومجرور، متعلق بمحذوف، خبر، والمبتدأ محذوف تقديره: ابتدائي.
(الله): لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الكسرة.
(الرحمن): نعت للفظ الجلالة، تبعه في الجر.
(الرحيم): نعت ثانٍ للفظ الجلالة، تبعه في الجر([26]).
روائع البيان والتفسير:
{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}
قال القرطبي ([27]):
قال العلماء: "بسم الله الرحمن الرحيم" قسمٌ من ربنا، أنزله عند رأس كل سورة، يقسم لعباده أن هذا الذي وضعت لكم - يا عبادي - في هذه السورة حق، وأني أوفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري".
وقال السعدي ([28]) - رحمه الله -: "بسم الله"؛ أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى؛ لأن لفظ (اسم) مفرد مضاف، فيعم جميع الأسماء الحسنى.
{الله} هو المألوه المعبود، المستحق لإفراده بالعبادة؛ لما اتصف به من صفات الألوهية، وهي صفات الكمال.



وقال ابن العثيمين: (الرحمن الرحيم): اسمان من أسماء الله، يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة، وعلى الأثر؛ أي: الحكم الذي تقتضيه هذه الصفة.
والرحمة التي أثبتها الله لنفسه رحمة حقيقية، دل عليها السمع والعقل؛ أما السمع فهو ما جاء في الكتاب والسنة من إثبات الرحمة لله، وهو كثير جدًّا؛ وأما العقل: فكل ما حصل من نعمة، أو اندفع من نقمة؛ فهو من آثار رحمة الله".



(2) الحمد لله رب العالمين
إعراب الآية:
الحمد: مبتدأ مرفوع.
(لله): جار ومجرور، متعلق بمحذوف، خبر المبتدأ، تقديره: ثابت أو واجب.
(رب): نعت للفظ الجلالة، تبعه في الجر، وعلامة الجر الكسرة.
(العالمين): مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وجملة: (الحمد لله..) لا محل لها ابتدائية ([29]).
روائع البيان والتفسير:
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ }
 قال القرطبي- رحجمه الله ما مختصره وبتصرف يسير: أجمع المسلمون على أن الله محمودٌ على سائر نِعَمه، وأن مما أنعم الله به الايمان، فدلَّ على أن الايمان فعله وخلقه، والدليل على ذلك قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ}، والعالمون جملة المخلوقات، ومن جملتها الإيمان، لا كما قال القدرية: إنه خَلْق لهم، على ما يأتي بيانه.
ثم أضاف- رحمه الله-: الحمد في كلام العرب معناه: الثناء الكامل، والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد؛ فهو - سبحانه - يستحق الحمد بأجمعه؛ إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلا.
ثم قال: فالحمد نقيض الذم، تقول: حمدتُ الرجل أحمده حمدًا، فهو حميد ومحمود، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر، والمُحمَّد: الذي كثرت خصالُه المحمودة([30]).
-وقال السعدي- رحمه الله: { الْحَمْدُ لِلَّهِ} هو الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه.اهـ([31])




-وأضاف ابن العثيمين: {الْحَمْدُ} وصفُ المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم؛ الكمال الذاتي والوصفي والفعلي؛ فهو كامل في ذاته وصفاته وأفعاله؛ ولا بد من قَيْد، وهو "المحبة والتعظيم"؛ قال أهل العلم: "لأن مجرَّد وصفه بالكمال بدون محبة ولا تعظيم، لا يسمَّى حمدًا؛ وإنما يسمى مدحًا"([32]).
{رَبِّ الْعَالَمِينَ}
قال ابن كثير([33]): والرب هو: المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرِّف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حق الله - تعالى.
ولا يستعمل الرب لغير الله، بل بالإضافة تقول: رب الدار، رب كذا، وأما الرب، فلا يقال إلا لله - عز وجل - وقد قيل: إنه الاسم الأعظم، والعالمين: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - عز
وجل، والعالَم جمع لا واحد له من لفظه، والعوالِم أصناف المخلوقات في السموات والأرض، في البر والبحر، وكل قرن منها وجيل يسمى عالمًا أيضًا([34]).
-وزاد السعدي في بيانها فقال- رحمه الله-:{رَبِّ الْعَالَمِينَ} الرب، هو المربي جميع العالمين – بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة، فمنه تعالى.
وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة.
فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر. ولعل هذا المعنى هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.اهـ([35])

(3) الرحمن الرحيم
إعراب الآية:
(الرَّحْمَنِ): نعت للفظ الجلالة.
(الرَّحِيمِ): نعت ثانٍ للفظ الجلالة([36]).
روائع البيان والتفسير:
{ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }
-قال الشنقيطي-رحمه الله- في الأضواء([37]):"هما وصفان لله - تعالى - واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشدُّ مبالغة من الرحيم; لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة، وعلى هذا أكثر العلماء"؛ اهـ.([38])



-وقال السعدي-رحمه الله-ما نصه: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيب منها.
واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها، الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات.
فيؤمنون مثلا بأنه رحمن رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها، أثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم، يعلم به كل شيء، قدير، ذو قدرة يقدر على كل شيء.اهـ([39]).
-وقال ابن العثيمين-رحمه الله-:
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}: الرحمن صفة للفظ الجلالة؛ والرحيم صفة أخرى؛ والرحمن هو ذو الرحمة الواسعة، والرحيم هو ذو الرحمة الواصلة؛ فالرحمن وصفه؛ والرحيم فعلُه؛ ولو أنه جيء بـ"الرحمن" وحدَه، أو بـ"الرحيم" وحده؛ لشمل الوصف والفعل؛ لكن إذا اقترنا فسِّر {الرحمن} بالوصف؛ و{الرحيم} بالفعل([40])"؛ اهـ.
-وزاد ابن القيم-رحمه الله-([41]): "الرحمن" فإن رحمته تمنعُ إهمالَ عباده، وعدم تعريفهم ما ينالون به غايةَ كمالِهم؛ فمن أعطى اسم "الرحمن" حقه عَرَف أنه متضمِّن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، أعظمَ من تضمنه إنزال الغيث، وإنبات الكلأ، وإخراج الحَب؛ فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة
القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما


أدركوا من هذا الاسم حظَّ البهائم والدواب، وأدرك منه أولو الألباب أمرًا وراء ذلك([42]).


(4) مالك يوم الدين
إعراب الآية:
(مَالِكِ): نعت للفظ الجلالة مجرور مثله.
(يَوْمِ): مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الكسرة.
(الدِّينِ) مضاف إليه مجرور وعلامة الجر الكسرة ([43]).
روائع البيان والتفسير:
{ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}
قال ابن العثيمين-رحمه الله-:
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} صفة لـ{الله}، و{يَوْمِ الدِّينِ} هو يوم القيامة؛ و{الدِّينِ} هنا بمعنى الجزاء؛ يعني أنه - سبحانه وتعالى - مالكٌ لذلك اليوم الذي يجازي فيه الخلائق؛ فلا مالك غيره في ذلك اليوم؛ و"الدين" تارة يراد به الجزاء، كما في هذه الآية؛ وتارة يراد به العمل، كما في قوله - تعالى -: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6]، ويقال: "كما تَدِين تُدَان"؛ أي: كما تعمل تجازَى.
ثم قال في فوائد الآية:
فإن قال قائل: أليس مالك يوم الدين والدنيا؟
فالجواب: بلى؛ لكن ظهور ملكوته، وملكه، وسلطانه، إنما يكون في ذلك اليوم؛ لأن الله - تعالى - ينادي: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16]، فلا يجيب أحد؛ فيقول - تعالى -: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16]، في الدنيا يظهر ملوك؛ بل يظهر ملوك يعتقد شعوبهم أنه لا مالك إلا هم؛
 فالشيوعيون مثلاً لا يرون أن هناك ربًّا للسموات والأرض؛ يرون أن الحياة: أرحام تدفع، وأرض



تَبلَع، وأن ربهم هو رئيسهم([44]) اهـ.
وقال الشنقيطي –رحمه الله-ما مختصره:
والمراد بالدين في الآية الجزاء، ومنه قوله - تعالى -: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} [النور: 25]؛ أي: جزاء أعمالهم بالعدل" ([45]).
وقال ابن القيم في التفسير عن تأويل {مالك يوم الدين} بقوله:
إنه اليوم الذي يدين الله العباد فيه بأعمالهم، فيثيبهم على الخيرات، ويعاقبهم على المعاصي والسيئات، وما كان الله ليعذِّب أحدًا قبل إقامة الحجة عليه، والحجة إنما قامت برسله وكتبه، وبهم استُحقَّ الثوابُ والعقاب، وبهم قام سوق يوم الدين، وسيق الأبرار إلى النعيم، والفجار إلى الجحيم ([46]).



(5) إياك نعبد وإياك نستعين
إعراب الآية:
(إِيَّاكَ): ضمير بارز منفصل، مبني على الفتح، في محل نصب مفعول به مقدَّم، أو (إيَّا) ضمير مبني في محل نصب مفعول به، والكاف حرف خطاب.
(نَعْبُدُ): فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا، تقديره نحن، والواو عاطفة.
(إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ): تعرب كالسابق، وجملة: (إياك نعبد...) لا محل لها استئنافية، وجملة: (إياك نستعين..) لا محل لها، معطوفة على جملة إياك نعبد ([47]).
روائع البيان والتفسير:
{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
-قال الطبري-رحمه الله-في بيانها([48]): (إياك نعبد): "لك اللهم نخشع ونذل ونستكين، إقرارًا لك يا ربنا بالربوبية لا لغيرك"([49]).
-وقال ابن القيم: عن تفسير قوله تعالى:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} :
 فإن ما يُعبَدُ به الربُّ - تعالى - لا يكون إلا على ما يحبه ويرضاه، وعبادته هي شكره وحبه وخشيته، فطريٌّ ومعقول للعقول السليمة، لكن طريق التعبد وما يُعبَد به لا سبيل إلى معرفته إلا برسله وبيانهم، وفي هذا بيان أن إرسال الرسل أمر مستقر في العقول، يستحيل تعطيل العالم عنه،
كما يستحيل تعطيله عن الصانع؛ فمَن أنكر الرسول فقد أنكر المرسِل ولم يؤمن به؛ ولهذا جعل



الله - سبحانه - الكفر برسله كفرًا به([50]).

(6) اهدنا الصراط المستقيم
إعراب الآية:
(اهْدِ): فعل أمر دُعائي، مبني على حذف حرف العلة، و(نا) ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت.
(الصِّرَاطَ): مفعول به ثانٍ منصوب، وعلامة النصب الفتحة.
(الْمُسْتَقِيمَ): نعت للصراط منصوب مثله، وعلامة النصب الفتحة، والجملة: لا محل لها، استئنافية([51]).
روائع البيان والتفسير:
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}
قال السعدي-رحمه الله-: "قال - تعالى -: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}؛ أي: دُلَّنا وأرشدنا، ووفِّقنا للصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به، فاهدنا إلى الصراط، واهدنا في الصراط؛ فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علمًا وعملاً؛ فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد؛ ولهذا وجب على الإنسان أن يدعوَ الله به في كل ركعة من صلاته؛ لضرورته إلى ذلك"؛([52]) اهـ.
-وأضاف ابن القيم-رحمه الله- ما مختصره :"{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } [الفاتحة: 6] فالهداية: هي البيان والدلالة، ثم التوفيق والإلهام، وهو بعد البيان والدلالة. ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل. فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف ترتب عليه هداية التوفيق. وجعل الإيمان في القلب وتحبيبه إلى، وتزيينه في قلبه، وجعله مؤثرا له، راضيا به، راغبا فيه. هما هدايتان مستقلتان، لا يحصل الفلاح إلا بهما. وهما متضمنتان تعريف ما لم نعلمه من الحق تفصيلا وإجمالا،

 وإلهامنا له، وجعلنا مريدين لاتباعه ظاهرا وباطنا. ثم خلق القدرة لنا على القيام لنا على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل والعزم. ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة.
ومن هاهنا يعلم اضطرار العبد إلى سؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة، وبطلان قول من يقول: إذا كنا مهتدين، فكيف نسأل الهداية؟ فإن المجهول لنا، من الحق أضعاف المعلوم. وما لا نريد فعله تهاونا وكسلا مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك. وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله، فأمر يفوته الحصر. ونحن محتاجون إلى الهداية التامة.
فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام.اهـ([53])
-وقال ابن العثيمين - رحمه الله -: قوله تعالى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }: {الصراط} فيه قراءتان: بالسين: {السراط}، وبالصاد الخالصة: {الصراط}؛ والمراد بـ{الصراط} الطريق؛ والمراد بـ "الهداية" هداية الإرشاد، وهداية التوفيق؛ فأنت بقولك: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} تسأل الله تعالى علماً نافعاً، وعملاً صالحاً؛ و{المستقيم} أي الذي لا اعوجاج فيه..
 قوله تعالى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }: {الصراط} فيه قراءتان: بالسين: {السراط}، وبالصاد الخالصة: {الصراط}؛ والمراد بـ{الصراط} الطريق؛ والمراد بـ "الهداية" هداية الإرشاد، وهداية التوفيق؛ فأنت بقولك: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } تسأل الله تعالى علماً نافعاً، وعملاً صالحاً؛ و{المستقيم} أي الذي لا اعوجاج فيه.. ([54]).











7-{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}
إعراب الآية:
(صراط): بدل من صراط الأول، تبعه في النصب، وعلامة نصبه الفتحة.
(الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل جر مضاف إليه.
(أنعمتَ): فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير الرفع، والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل.
(عليهم): على: حرف جر، والهاء ضمير متصل مبني على الكسر في محل جر بـ (على)، متعلق بـ(أنعمتَ)، والميم حرفٌ لجمع الذكور.
(غير): بدل من اسم الموصول (الذين) تبعه في الجر.
(المغضوب): مضاف إليه مجرور.
(عليهم): كالأول في محل رفع نائب فاعل للمغضوب، الواو عاطفة، (لا) زائدة لتأكيد النفي.
(الضالين): معطوف على (غير) مجرور مثله، وعلامة الجر الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، وجملة: (أنعمت عليهم...) لا محل لها صلة الموصول ([55]).
روائع البيان والتفسير:
{ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}
-قال ابن كثير-رحمه الله-في تفسيرها: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7]، هم المذكورون في سورة النساء؛ حيث قال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء: 69، 70]([56]).
-وزاد ابن العثيمين- رحمه الله بياناً فقال: الناس ثلاثة أقسام: منعَم عليهم، ومغضوب عليهم، وضالون.
وتأمل البلاغة العظيمة قال: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ولم يقل: المنعَم عليهم.


والأمة الغضبية ماذا قال؟ {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}، ولم يقل: الذين غضبتَ عليهم؛ لأن هذه الأمة الغضبية مغضوب عليها من قِبَل الله، ومن قِبَل أولياء الله.
والضالُّ ضد المهتدي، فالناس ثلاثة أقسام:
القسم الأول: عالم بالحق وعامل به: هذا منعَم عليه، فكأن الذي يقول: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، كأنه يسأل الله العلم والعمل.
القسم الثاني: عالِم بالحق، مستكبر عنه، وهذا مغضوب عليه.
الثالث: جاهل بالحق، وهذا ضال.
المغضوب عليهم اليهود، والمغضوب عليهم النصارى، بعد بعثة الرسول - عليه الصلاة والسلام.
النصارى قبل بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ضالون، لكن بعد بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلمهم بالحق؛ صاروا من قسم المغضوب عليهم، لاحظوا أنكم تجدون في كثير من كتب المفسِّرين أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى، هذا قبل بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأن اليهود جاءهم عيسى - عليه السلام - بالحق واستكبروا، فعلموا الحق واستكبروا عنه، والنصارى ما جاءهم بعد عيسى - عليه السلام رسولٌ، لكنهم تاهوا.
بعد مجيء محمد - صلى الله عليه وسلم - صار النصارى مثل اليهود بعد مجيء عيسى؛ يعني: قامت عليهم الحجة، فهم مغضوب عليهم ملعونون، كما لعن اليهود وغضب عليهم، قال نبينا - عليه الصلاة والسلام -: ((لعنة الله على اليهود والنصارى))، ومع الأسف أنه يوجد الآن بيننا - وفي بيوتنا - خدم ومربِّيات كما يزعمون من أمةٍ غَضِب الله عليها ولعنها والعياذ بالله!
وإني لأعجب، كيف تتردى أحوال المسلمين إلى هذه الحال، يربون أعداءهم بالمال وبالحفاوة، إلى حدِّ أن وصل ضعفُ الدين ونقص العقل، فصار الواحد يقول: إخواننا اليهود والنصارى، نعوذ بالله، إذا رأيت أن يكونوا إخوانك فأنت مثلهم"؛([57]) اهـ.
-وقال الشنقيطي- رحمه الله- في الأضواء:
لم يبيِّن هنا مَن هؤلاء الذين أنعم عليهم؟ وبيَّن ذلك في موضع آخر، بقوله: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69].


ثم قال: "يؤخَذ من هذه الآية الكريمة صحَّة إمامة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لأنه داخلٌ فيمَن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم - أعني الفاتحة - بأن نسألَه أن يهديَنا صراطهم؛ فدلَّ ذلك على أن صراطهم هو الصراط المستقيم.
وذلك في قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]، وقد بيَّن الذين أنعم عليهم، فعَدَّ منهم الصدِّيقين.
وقد بيَّن - صلى الله عليه وسلم - أن أبا بكر - رضي الله عنه - من الصدِّيقين، فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم، الذين أمرنا الله أن نسألَه الهداية إلى صراطهم، فلم يبقَ لَبْسٌ في أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - على الصراط المستقيم، وأن إمامته حق.اهـ([58]).
-----------------
[1] - نصُّ الحديث الذي أخرجه البخاري ح (4622) عن أبي سعيد بن المعلَّى، قال: كنتُ أصلِّي في المسجد، فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم أُجِبْه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال: ((ألم يقل الله: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]، ثم قال لي: ((لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد))، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: ((لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن))، قال: ((الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه)).
[2] - أخرجه البخاري عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - ح/714، ومسلم ح/ 595.
[3] - هو الحافظ عبدالرحمن بن أبي بكر، جلال الدين، والسيوطي نسبة إلى أسيوط، مدينة في صعيد مصر، عالم موسوعي في الحديث، والتفسير، واللغة، والتاريخ، والأدب، والفقه، وغيرها من العلوم، ذُكر له من المؤلفات نحو 600 مؤلَّف، ولد سنة (849 هـ)، وتوفي سنة 911, ومصدر كلامِه كتابه: "الحاوي في تفسير القرآن الكريم".
[4] - هو شيخ الإسلام تقي الدين أبو العَباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن عبدالله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، (المتوفى: 728 هـ)، وانظر: مجموع الفتاوي (14/5،6) - نشر دار الوفاء.
[5] -عُبَادَة بن الصامتِ بن قيس بن أصرم بن فهر بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرجي الأنصاري، كنيته أبو الوليد، روى حوالي مائة وواحد وثمانين حديثًا، زوجته هي أم حرام بنت ملحان، التي توفيت في قبرص، وشهد بيعة العقبة الأولى والثانية، وكان نقيبًا على قوافل بني عوف بن الخزرج، وآخَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين أبي مرثد الغنوي، وشهد بدرًا وأُحُدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - على بعض الصدقات، والده هو الصامت بن قيس الخزرجي، وأمه: قرة العين بنت عبادة، وأخوه أوس بن الصامت، والذي زوجته خولة بنت ثعلبة التي أنزل الله فيها: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1]، توفِّي سنة أربع وثلاثين للهجرة، وهو ابن اثني وسبعين عامًا، ودفن بالقدس الشريف في بقيع الرحمة، الملاصق للباب الذهبي، وكان طويلاً جسيمًا جميلاً.
[6] - سبق تخريجه آنفًا.
[7] - سبق تخريجه آنفًا.
[8] - أخرجه البخاري ح/ 4335.
[9] - هو صاحب الفضيلة الشيخ العالم المحقق, الفقيه المفسِّر, الورع الزاهد، محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبدالرحمن آل عثيمين، من الوهبة من بني تميم، ولد في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام 1347هـ، في عنيزة - إحدى مدن القصيم - في المملكة العربية السعودية، وتوفي سنة 1421 هـ, ومصدر كلامه: الشرح الممتع على زاد المستقنع، نشر دار ابن الجوزي (3/61).
[10] -انظر تفسير سورة الفاتحة للعلامة محمد بن صالح بن محمد العثيمين(1/3)- الناشر: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية- الطبعة: الأولى، 1423 هـ
[11] - وهو في صحيح الجامع (729), والسلسلة الصحيحة "3 / 179" للألباني, قلت: والحديث يدل على أن البسملة آية من القرآن؛ كما هو ظاهر، ولكن ليس الأمر كذلك، والاختلاف بين العلماء في هذه المسألة مشهور، وسوف نبين الاختلاف في فوائد وأحكام السورة، ولا مجال لذكر الاختلاف هنا؛ لذا نكتفي ببيان الأسماء وأحاديثها، والله تعالى أعلم.
[12] - الحافظ البغوى إمام حافظ، وفقيه ومجتهد، توفي 516 هـ، واسمه الكامل: "أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفراء البغوي"، ويلقب أيضًا بركن الدين ومحيي السنة، أحد العلماء الذين خدموا القرآن والسنة النبوية الإسلامية، دراسة وتدريسًا، وتأليفًا, وانظر مصدركلامه في: معالم التنزيل (1/49).
[13] -
[14] - عبدالله بن عباس بن عبدالمطلب بن هاشم، صحابي جليل، وهو ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم - حبر الأمة وفقيهها، وإمام التفسير وترجمان القرآن، ولد ببني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنوات، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - دائم الدعاء لابن عباس، فدعا أن يملأ الله جوفَه علمًا، وأن يجعله صالحًا، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُدْنِيه منه وهو طفل، ويربتُ على كتفه، وهو يقول: ((اللهم فقِّهه في الدين وعلِّمه التأويل))، وروى عنه أحاديث كثيرة،، وكُفَّ بصره في آخر عمره، فسكن الطائف، وتوفِّي بها سنة 68 هجريًّا.
[15] - أخرجه مسلم ح/ 1339.
[16] - أخرجه الترمذي، وانظر: صحيح أبي داود (1310) ، والمشكاة (2142) للألباني.
[17] - أخرجه مسلم برقم/ 598.
[18] - هو سعد بن مالك بن سنان، أبو سعيد الخدري الأنصاري، من علماء الصحابة، ومن المُكثِرين فى الرواية، وكان مفتي المدينة، أبوه من شهداء أُحُد، استُصغِر يوم أُحُد، لكنه غزا بعدها مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - 12 غزوة، شَهِد بيعة الرضوان، وبايع الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - مع نفرٍ من الصحابة، على ألا تأخذهم في الله لومة لائم، ويروى أنه كان من أهل الصفة، مات بالمدينة سنة 74 هـ، ودفن بالبقيع.
[19] - أخرجه مسلم برقم/ 4081، والبخاري برقم/ 4623.
[20] - انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم/ 3996.
[21] - انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم/ 3997.
[22] - انظر: ضعيف الترغيب والترهيب رقم/ 347 .
[23] انظر: ضعيف الجامع، حديث رقم: 3952 .
[24] - انظر: ضعيف الجامع الصغير رقم/ 3951.
[25] -انظر: ضعيف الجامع الصغير رقم/ 3949.
[26] - انظر: الجدول في إعراب القرآن لمحمود بن عبدالرحيم صافي (المتوفى: 1376هـ) - نشر: دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق (1/21).
[27] - هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري، الخزرجي، الأندلسي، القرطبي، المالكي أبو عبدالله، مفسِّر، توفي بمنية بني خصيب بمصر في شوال، وهو من كبار المفسرين، رحل إلى الشرق، واستقر بمنية ابن خصيب (في شمالي أسيوط، بمصر)، وتوفي فيها (671 هـ - 1273 م), وانظر: تفسيره الجامع لأحكام القرآن.
[28] - هو الشيخ أبو عبدالله عبدالرحمن بن ناصر بن عبدالله بن ناصر السعدي، من آل سعدي، ولد في بلدة عنيزة في القصيم، وذلك يوم 12 محرم عام ألف وثلاثمائة وسبعة من الهجرة النبوية الشريفة، وتوفِّي قرب طلوع الفجر من ليلة الخميس 23 جمادى الآخرة عام 1376 هـ، في مدينة عنيزة من بلاد القصيم - رحمه الله رحمة واسعة، وانظر: تفسيره "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان".
[29] - الجدول في إعراب القرآن دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق (1/ 23)
[30] - الجامع لأحكام القرآن (1/133) الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة.
[31] -
[32] - انظر: تفسير العلامة محمد العثيمين (2/5).
[33] - هو الحافظ المؤرخ المفسر عماد الدين أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء القرشي الدمشقي المعروف بابن كثير, فقيه, مُفْتٍ, محدِّث, حافظ، مفسِّر, مؤرخ, عالم بالرجال، ولد بمجدل من أعمال دمشق سنة (701هـ)، لازم المِزِّي، وقرأ عليه تهذيب الكمال، وصاهره على ابنته، وأخذ عن ابن تيمية ففُتِن بحبه، وامتحن بسببه، وكان كثير الاستحضار، حسن المفاكهة، سارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته، وتوفي في شعبان سنة (774هـ).
[34] - انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير، الناشر، دار طيبة للنشر والتوزيع (1/131).
[35] -  انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (ص/39)- المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق
-الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى 1420هـ -2000 م
[36] - انظر: الجدول في إعراب القرآن محمود بن عبدالرحيم صافي (1/25).
[37] - هو محمد الأمين بن محمد المختار بن عبدالقادر الجكني الشنقيطي المدني، ولد بموريتانيا عام 1325 هـ، حوالي 17 فبراير 1905، بمدينة تنبه في موريتانيا، اجتهد في طلب العلم فأصبح من علماء موريتانيا، وتولى القضاء في بلده، فكان موضع ثقة حكَّامها ومحكوميها، وكان من أوائل المدرِّسين في الجامعة الإسلامية سنة 1381هـ، ثم عيِّن عضوًا في مجلس الجامعة، كما عيِّن عضوًا في مجلس التأسيس لرابطة العالم الإسلامي، وعضوًا في هيئة كبار العلماء 8/7/1391 هـ، توفي بمكة بعد أدائه لفريضة الحج في السابع عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف من الهجرة، وصُلِّي عليه بالمسجد الحرام، ودفن بمقبرة المعلاة بمكة، وللشيخ تلاميذ كثيرون في بلاده وفي المسجد النبوي، والرياض، ولا يمكن إحصاؤهم؛ منهم على سبيل المثال: الإمام عبدالعزيز بن باز، درس عليه في المنطق، والشيخ العلامة عطية سالم، والشيخ العلامة حمود بن عقلاء الشعيبي، والشيخ العلامة حماد الأنصاري، والشيخ عبدالرحمن بن عبوده، بل قد درس عليه في المعهد العلمي؛ مثل: الشيخ العلامة محمد صالح بن عثيمين، والشيخ عبدالرحمن البراك، والشيخ بكر أبو زيد، وغيرهم الكثير الذين درسوا عليه في الجامعة، والمعهد، ودروسه في أنحاء المملكة.
[38] -
[39] - أنظر "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" لعبد الرحمن بن ناصر السعدي- رحمه الله - نشر مؤسسة الرسالة  (ص/39).
[40] - تفسير العلامة محمد العثيمين (2/6).
[41] - هو الفقيه، المفتي، الإمام الرباني شيخ الإسلام الثاني أبو عبدالله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي، ثم الدِّمشقي، الشهير بـ"ابن قيم الجوزية"، عاش في دمشق ودرس على يد ابن تيمية الدمشقي، ولازمه قرابة 16 عامًا، وتأثر به، وسجن في قلعة دمشق في أيام سجن ابن تيمية، وخرج بعد أن توفِّي شيخه عام 728 هـ، ومن تلاميذه: ابن رجب الحنبلي، وابن كثير، والذهبي، وابن عبدالهادي، والفيروزآبادي صاحب "القاموس المحيط" - رحمهم الله تعالى - وغيرهم، وتوفي - رحمه الله - ليلة الخميس، ثالث عشرين من رجب الفرد سنة (751هـ)، ودفن بدمشق بمقبرة الباب الصغير.
[42] - انظر: تفسير القرآن الكريم؛ لابن القيم - نشر دار ومكتبة الهلال - بيروت ص/12, وينتبه أن هذا التفسير ليس مَن جمع ابن القيم- رحمه الله - ؛ وإنما مِن صُنع بعض المعاصِرين في أوساط هذا القرنِ العشرين الذي جمعه من مؤلفات ابن القيم وقد أثنى عليه أهل العلم والله أعلم.
[43] - انظر: الجدول في إعراب القرآن محمود بن عبدالرحيم صافي (1/25).
[44] - انظر: تفسير العلامة محمد العثيمين من موقع الشيخ (2/7).
[45] - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين بن محمد المختار بن عبدالقادر الجكني الشنقيطي (1/6).
[46] - انظر  تفسير القرآن الكريم؛ لابن القيم (1/12)
[47] - انظر: الجدول في إعراب القرآن محمود بن عبدالرحيم صافي (1/26).

[48] - هو محمد بن جرير‌ بن يزيد بن كثير، الإمام العلم المجتهد، عالم العصر أبو جعفر الطبري، صاحب التصانيف البديعة، من أهل آمل طبرستان، مولده سنة أربع وعشرين ومائتين، وطلب العلم بعد الأربعين ومائتين، وأكثر الترحال، ولقي نبلاء الرجال، وكان من أفراد الدهر علمًا وذكاءً، وكثرة تصانيف، قلَّ أن ترى العيون مثله، كان ثقة، صادقًا، حافظًا، رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علاَّمة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة، عدُّوه أبا التاريخ؛ لأن له كتابًا كبيرًا في التاريخ لم يؤلَّف مثله، إلا أنه لم يلتزم فيه بالتوثيق، وسماه تاريخ الأمم والملوك، وله أيضًا: تهذيب الآثار، وغير ذلك، توفِّي الطبري في بغداد سنة 310.

[49] - انظر: جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر الطبري - نشر: مؤسسة الرسالة (1/157).
[50] - انظر: تفسير القرآن الكريم لابن القيم (1/13)الناشر: دار ومكتبة الهلال - بيروت الطبعة: الأولى - 141 هـ.
[51] - انظر: الجدول في إعراب القرآن محمود بن عبدالرحيم صافي (1/27).
[52] - انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبدالرحمن بن ناصر السعدي - نشر مؤسسة الرسالة (ص/39).
[53] - انظر: تفسير القرآن الكريم (ابن القيم)(1/13)الناشر: دار ومكتبة الهلال - بيروت الطبعة: الأولى - 141 هـ.
[54] انظر تفسير القرآن لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين  - رحمه الله- (2/9).                                        
[55] - انظر الجدول في إعراب القرآن، محمود بن عبدالرحيم صافي (1/28-29).
[56] - انظر "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير القرشي الدمشقي، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع (1/140).
[57] - من دروس مفرغة لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين "جلسات رمضانية 1410 هـ - 1415 هـ"، (18/3 - 4) - المصدر: موقع الشبكة الإسلامية.
[58] - "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" لمحمد الأمين - الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان (1/8).